تقرير – جنا العوفي

لم يعد استخدام الهاتف الذكي في السعودية مجرد وسيلة للتواصل أو متابعة الأخبار أو إنجاز الخدمات اليومية، بل أصبح جزءًا ثابتًا من إيقاع الحياة الحديثة، يرافق الفرد منذ لحظة الاستيقاظ وحتى ما قبل النوم، وبين إشعار عابر، ورسالة متكررة، ومقطع سريع، وخبر عاجل، يجد المستخدم نفسه في حالة يقظة رقمية مستمرة، لا تمنحه وقتًا كافيًا للهدوء أو التركيز أو الانفصال عن ضجيج العالم الافتراضي.

وفي مجتمع يشهد تحولًا رقميًا واسعًا، وتوسعًا في الخدمات الإلكترونية، والتعليم الرقمي، والعمل عن بعد، والتجارة الإلكترونية، لم تعد الشاشة خيارًا جانبيًا، بل أصبحت بوابة رئيسية للعمل، والتعلم، والتواصل، والترفيه، ومع هذا الحضور الكثيف، يظهر ما يمكن تسميته بـ”القلق الرقمي”، وهو شعور متزايد بالتوتر الناتج عن كثافة المحتوى، وسرعة الأخبار، وتعدد المنصات، والخوف من عدم الرد، أو التأخر في المتابعة، أو الغياب عن نقاش يحدث الآن.

هذا القلق لا يأتي من التقنية وحدها، بل من طريقة حضورها المستمر في حياة الفرد، فالهاتف لا يكتفي بأن يكون أداة في اليد، بل يتحول أحيانًا إلى مصدر دائم للمقاطعة، يعيد توجيه الانتباه كلما حاول الإنسان التركيز في عمله أو دراسته أو أسرته أو حتى لحظة راحته.

أرقام سعودية

تكشف الأرقام الحديثة أن القضية لم تعد فردية أو هامشية، بل ترتبط بحجم الاستخدام الرقمي في السعودية، فقد أوضحت هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية في تقرير الإنترنت السعودي 2024 أن نسبة انتشار الإنترنت في المملكة بلغت 99%، وأن الهواتف المتنقلة جاءت في صدارة الأجهزة المستخدمة لتصفح الإنترنت بنسبة 99,4%، كما بين التقرير أن متوسط استهلاك بيانات الجوال للفرد بلغ 48 جيجابايت شهريًا، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، بحسب الهيئة.

كما أشار تقرير الحالة الرقمية في السعودية لعام 2025، الصادر عن منصة داتا ريبورتال المتخصصة في تحليل استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى وجود 33,9 مليون مستخدم للإنترنت في السعودية في يناير 2025، بنسبة انتشار بلغت 99% من السكان، إضافة إلى 34,1 مليون هوية مستخدم نشطة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أرقام تعكس حجم الحضور الرقمي الكبير في الحياة اليومية داخل المملكة.

هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة أن الاستخدام سلبي، لكنها تضع المجتمع أمام سؤال مهم، كيف يمكن الاستفادة من هذا الاتصال الواسع دون أن يتحول إلى مصدر دائم للقلق وتشتت الانتباه؟ فكلما زادت ساعات الاتصال، زادت الحاجة إلى وعي رقمي يساعد الفرد على إدارة وقته وتركيزه، خصوصًا مع اعتماد كثير من الخدمات اليومية في السعودية على التطبيقات والمنصات الرقمية.

قلق الجيب

أصبح الهاتف اليوم أقرب إلى مساحة نفسية متنقلة، يحملها الفرد في جيبه ويعود إليها كلما شعر بالملل أو القلق أو الرغبة في الهروب من الصمت، لم تعد المشكلة في استخدام التقنية بحد ذاتها، بل في تحوّلها إلى مصدر دائم للتنبيه والانشغال، حتى بات بعض المستخدمين يشعرون بالتوتر لمجرد ابتعادهم عن هواتفهم أو تأخرهم في الرد على الرسائل.

وفي المدينة المنورة، حيث تتداخل الحياة الاجتماعية والأسرية مع إيقاع العمل والتعليم والخدمات الرقمية، تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحًا لدى فئات مختلفة، من الطلاب والموظفين إلى الأسر التي أصبحت تواجه تحديًا يوميًا في تنظيم علاقة أبنائها بالأجهزة الذكية.

وفي تصريح مقترح للنشر بعد الاعتماد، يقول نمر عائش مناور الحربي، نائب رئيس مجلس إدارة جمعية إعلاميو المدينة المنورة للإنتاج الإعلامي: “القلق الرقمي لم يعد حالة فردية محدودة، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تتطلب وعيًا إعلاميًا وأسريًا، لأن كثافة التنبيهات وسرعة المحتوى تؤثران في قدرة الإنسان على التركيز والتفاعل الهادئ مع محيطه”، وتذكر جمعية إعلاميو المدينة المنورة أن نمر عائش مناور الحربي يشغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة.

هذا القلق لا يظهر دائمًا بصورة مباشرة، فقد يتخفى خلف عادة متكررة مثل تفقد الهاتف كل بضع دقائق، أو الشعور بالحاجة إلى متابعة كل جديد، أو صعوبة الجلوس دون شاشة، ومع الوقت، يصبح الانتباه مجزأً، والعقل مشغولًا بأكثر من اتجاه، فيفقد الفرد قدرته على الحضور الكامل في عمله أو دراسته أو علاقاته الاجتماعية.

انتباه مشتت

في السابق، كان التشتت مرتبطًا بعوامل محدودة يمكن السيطرة عليها، أما اليوم فقد أصبح التشتت مصممًا داخل البيئة الرقمية نفسها، فالتطبيقات لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تتنافس على جذب المستخدم وإبقائه أطول مدة ممكنة، من خلال التنبيهات، والمقاطع القصيرة، والاقتراحات المتتابعة، والعناوين السريعة التي تخاطب الفضول والقلق معًا.

ومع هذا التدفق، يصبح العقل في حالة انتقال مستمر، يقرأ جزءًا من خبر، ثم يفتح رسالة، ثم يشاهد مقطعًا، ثم يعود إلى العمل وقد فقد جزءًا من تركيزه، ولا تكمن الخطورة في لحظة التشتت نفسها، بل في تكرارها اليومي حتى تتحول إلى نمط ذهني يصعب معه الصبر على القراءة الطويلة، أو الاستماع العميق، أو إنجاز المهام التي تحتاج إلى وقت وجهد.

وتوضح ابتسام علي المبارك، المدير التنفيذي لجمعية إعلاميو المدينة المنورة للإنتاج الإعلامي، في تصريح مقترح للنشر بعد الاعتماد: “الوعي الرقمي لا يعني منع استخدام الأجهزة، بل فهم أثرها على الوقت والانتباه والصحة النفسية، فالمستخدم الواعي هو من يعرف متى يتصل بالعالم الرقمي ومتى يمنح نفسه فرصة للهدوء والانفصال”، وتعرّف الجمعية ابتسام علي المبارك بأنها المدير التنفيذي للجمعية، كما تذكر سيرتها أنها إعلامية وكاتبة وقاصة وشاعرة، وعملت في عدد من الصحف السعودية.

بهذا المعنى، لا يصبح الهاتف مجرد أداة محايدة، بل مساحة تؤثر في سلوك الفرد اليومي، وفي طريقة تفكيره، وفي علاقته بالوقت، فكل إشعار صغير قد يقطع سلسلة من التركيز، وكل انتقال سريع بين التطبيقات قد يضعف قدرة العقل على الاستمرار في مهمة واحدة، حتى يصبح الإنجاز أصعب، والهدوء أقل، والشعور بالضغط أكثر حضورًا.

أثر يومي

لا يقف القلق الرقمي عند حدود الفرد، بل يمتد إلى علاقاته داخل الأسرة ومحيط العمل والدراسة، فقد يجلس أفراد العائلة في مكان واحد، لكن كل واحد منهم غارق في شاشة مختلفة، حاضرًا بجسده وغائبًا بانتباهه، وقد يدخل الموظف إلى يومه العملي وهو مثقل برسائل متراكمة وتنبيهات متداخلة، فيجد نفسه يعمل تحت ضغط مستمر لا ينتهي بانتهاء الدوام.

وفي السعودية، حيث أصبحت التطبيقات جزءًا من الخدمات الحكومية، والمصرفية، والتعليمية، والصحية، والتجارية، لم يعد من الواقعي الدعوة إلى الانقطاع عن التقنية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إدارة العلاقة معها، فالمشكلة لا تكمن في وجود التطبيقات، بل في غياب الحدود الواضحة بين وقت العمل ووقت الراحة، وبين التواصل الضروري والتصفح العشوائي، وبين استخدام التقنية كوسيلة وبين تحولها إلى عادة تستنزف الانتباه.

أما الطلاب والمراهقون، فهم أكثر عرضة لهذا التشتت، لأن مهارات ضبط الانتباه لا تزال في مرحلة التكوين، ومع الاعتياد على المحتوى القصير والسريع، قد تصبح المهام الدراسية الطويلة أكثر صعوبة، ويصبح التركيز في القراءة أو المذاكرة تحديًا يوميًا أمام سيل من المقاطع والتنبيهات والمحادثات.

استعادة الهدوء

لا تعني مواجهة القلق الرقمي الابتعاد الكامل عن التقنية، فالأجهزة أصبحت جزءًا من التعليم والعمل والتواصل والخدمات اليومية، لكن المطلوب هو إعادة تنظيم العلاقة معها، بحيث تبقى وسيلة مساعدة لا مصدرًا دائمًا للتوتر والتشتت.

يمكن للفرد أن يبدأ بخطوات بسيطة، مثل إيقاف التنبيهات غير الضرورية، وتحديد أوقات واضحة لاستخدام الهاتف، وترك الجهاز بعيدًا أثناء النوم أو الدراسة أو الجلسات العائلية، والابتعاد عن التصفح العشوائي قبل النوم، إضافة إلى تدريب النفس على إنجاز مهمة واحدة في كل مرة دون مقاطعات مستمرة.

كما أن للأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية دورًا مهمًا في نشر ثقافة الوعي الرقمي، ليس من خلال التخويف من التقنية، بل عبر فهم أثرها الحقيقي على الانتباه والوقت والصحة النفسية، وتشجيع العادات التي تعيد للفرد قدرته على التركيز والهدوء والحضور.

في النهاية، القلق الرقمي ليس مجرد شعور عابر، وتشتت الانتباه ليس ضعفًا شخصيًا فقط، بل نتيجة بيئة رقمية سريعة تتنافس على وقت الإنسان وعقله، وبينما يظن الفرد أنه يتحكم في هاتفه، قد يكتشف أن التنبيهات والمحتوى المتلاحق هي التي تعيد تشكيل يومه وهدوئه وتركيزه، ما لم يستعد وعيه بحدود الاستخدام، ويمنح نفسه مساحة أهدأ للتركيز والحضور في حياته اليومية.