تقرير – عهد الجهني
لم يعد التصفح الطويل للتطبيقات مجرد عادة يومية أو ضعف في إدارة الوقت، بل أصبح سلوكًا رقميًا تغذيه تصميمات ذكية ومخاوف نفسية خفية، وفي مقدمتها ما يعرف بـ”متلازمة Fomo ” التصفح اللانهائي ، وتعني الخوف من فوات شيء مهم، سواء كان خبرًا عاجلًا، أو مناسبة اجتماعية، أو نقاشًا متداولًا، أو مقطعًا رائجًا، أو فرصة يظن المستخدم أن الآخرين سبقوه إليها.
وفي قلب هذه الحالة تقف خاصية “التمرير اللانهائي”، تلك الحركة البسيطة التي يقوم بها المستخدم بإصبعه على شاشة الهاتف، فيظهر أمامه محتوى جديد بلا توقف، وكأن التطبيق يمنحه وعدًا مستمرًا بأن المنشور التالي قد يكون أكثر أهمية أو متعة أو إثارة، وهنا تتحول الشاشة من وسيلة استخدام عابرة إلى دائرة جذب مفتوحة يصعب مغادرتها بسهولة.
ومع الانتشار الواسع للهواتف الذكية في المملكة العربية السعودية، أصبحت هذه الظاهرة أكثر حضورًا في الحياة اليومية، خصوصًا بين فئة الشباب والمراهقين، وكشف تقرير إنترنت السعودية ٢٠٢٤ الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية أن نسبة انتشار استخدام الإنترنت في المملكة بلغت ٩٩٪، فيما وصلت نسبة استخدام الإنترنت عبر الهواتف المتنقلة إلى ٩٩.٤٪ كما سجلت ساعات الذروة الرقمية ما بين التاسعة والحادية عشرة مساءً.
وأظهر التقرير أيضًا أن تطبيقات التواصل الاجتماعي تهيمن على المشهد الرقمي في المملكة، حيث جاء واتساب، بنسبة استخدام بلغت ٩٢.٢٪، يليه يوتيوب بنسبة٧٩.٩٪، ثم سناب شات بنسبة ٧٩٪ ما يعكس حجم الحضور اليومي للتطبيقات الرقمية في حياة المستخدمين السعوديين.
هذه الخاصية التي تبدو مريحة وسلسة، تحولت إلى إحدى أقوى أدوات التطبيقات في احتجاز الانتباه، فلا صفحة أخيرة، ولا توقف طبيعي، ولا لحظة فاصلة تجعل المستخدم يسأل نفسه: لماذا ما زلت أتصفح؟ وبين مقطع قصير، ومنشور مفاجئ، وتنبيه متكرر، يدخل المستخدم في دوامة رقمية تغذيها Fomo، حيث يشعر أن خروجه من التطبيق قد يعني غيابه عن شيء مهم يحدث الآن.
الخوف من الفوات
لا تقوم متلازمة Fomo على الفضول وحده، بل على شعور داخلي بأن الآخرين يعرفون أكثر، ويتابعون أكثر، ويحضرون ما قد يغيب عنه المستخدم. هذا الشعور يدفعه إلى فتح التطبيقات مرات متكررة خلال اليوم، ليس لأنه يريد شيئًا محددًا، بل لأنه يخشى أن يكون قد فاته شيء يستحق الانتباه.
وفي المنصات الاجتماعية، تصبح هذه الحالة أكثر وضوحًا، فالمستخدم يرى أخبار الآخرين، رحلاتهم، مناسباتهم، إنجازاتهم، نقاشاتهم، ومقاطعهم المتداولة، فيقارن يومه بما يظهر أمامه على الشاشة، ثم يعود للتصفح بحثًا عن الاطمئنان أو المشاركة أو مجرد اللحاق بالموجة الرقمية قبل أن تختفي.
يقول محمد رابع سليمان، صحفي وعضو هيئة الصحفيين السعوديين، في تصريح صحفي للتقرير: “المنصات الرقمية لم تعد تكتفي بتقديم المحتوى، بل أصبحت تنافس على انتباه الإنسان وتعيد تشكيل عاداته اليومية، وهذا يفرض على الإعلام مسؤولية أكبر في تنبيه المجتمع إلى مخاطر الاستخدام غير الواعي”.
ويذكر الدكتور وليد الزهراني، معالج نفسي، في تصريح نشرته صحيفة أخبار 24: أن معظم المشاكل الأسرية تكون بسبب إدمان الهواتف الذكية ومواقع التواصل، مشيرًا إلى أن الاستخدام المفرط للتطبيقات بات يؤثر بشكل مباشر على العلاقات الأسرية والصحة النفسية
بهذا المعنى، لا يدفع المستخدم المال دائمًا مقابل استخدام التطبيق، لكنه يدفع من وقته وتركيزه وهدوئه النفسي، فالهاتف الذي يبدو وسيلة ترفيه عابرة، أصبح نافذة دائمة على محتوى لا ينتهي، وعلى شعور مستمر بأن هناك شيئًا يجب متابعته قبل فوات الأوان.
اقتصاد الانتباه
في عالم التطبيقات الحديثة، لم يعد الوقت مجرد وقت، بل أصبح قيمة اقتصادية، فكل دقيقة إضافية يقضيها المستخدم أمام الشاشة تعني فرصة أكبر لعرض الإعلانات، وجمع البيانات، وتطوير الخوارزميات التي تتعلم ما يلفت نظره، وما يثير قلقه، وما يدفعه للبقاء مدة أطول.
وتستفيد التطبيقات من Fomo بذكاء، فهي لا تقدم المحتوى دفعة واحدة، بل تجعله متدفقًا ومجزأً ومفاجئًا، بحيث يشعر المستخدم أن عليه الاستمرار في التمرير ليبقى داخل المشهد. وكلما تفاعل مع نوع معين من المحتوى، أعادته الخوارزميات إلى محتوى مشابه، فيظن أنه يختار بحرية، بينما يجري توجيه انتباهه وفق نمط رقمي مصمم للبقاء.
ويرى عبدالرحمن الأنصاري، كاتب وإعلامي سعودي، أن “خطورة المحتوى الرقمي السريع لا تكمن في كثافته فقط، بل في قدرته على تحويل التصفح إلى سلوك تلقائي، ينتقل فيه المستخدم من مادة إلى أخرى دون وعي كافٍ بالوقت الذي يمضي”.
المشكلة هنا ليست في وجود محتوى ممتع أو مفيد، بل في أن التصميم نفسه لا يساعد المستخدم على التوقف، بل يدفعه إلى الاستمرار، وكأن هناك جائزة صغيرة تنتظره في المنشور التالي، أو خبرًا قد يغير مزاجه، أو تعليقًا يجعله يشعر بأنه حاضر داخل اللحظة العامة.
تصميم بلا نهاية
في الصحف والكتب والمواقع التقليدية، كانت هناك نهاية واضحة: آخر صفحة، آخر فقرة، أو رابط ينتقل إليه القارئ بإرادته، أما اليوم، فقد ألغت التطبيقات هذه النهاية، المحتوى يتدفق تلقائيًا، والمقاطع تعمل تباعًا، والتنبيهات تعيد المستخدم كلما حاول الابتعاد، لتتحول Fomo من شعور عابر إلى عادة يومية متكررة.
وقد أوضح المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية عبر موقعه الرسمي أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد تستخدم للتواصل فقط، بل تحولت لدى البعض إلى سلوك إدماني يؤثر على الصحة النفسية وجودة الحياة.
وتوضح ابتسام علي مبارك، إعلامية وعضو مجلس إدارة جمعية إعلاميو المدينة المنورة، أن “التطبيقات الحديثة لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت بيئات كاملة تؤثر في السلوك اليومي، وتزاحم وقت الأسرة، والنوم، والقراءة، والعمل”.
ومن هنا تصبح القضية أعمق من مجرد استخدام زائد للهاتف؛ إنها تتعلق بتصميم كامل يراهن على فضول الإنسان وخوفه من الغياب، ورغبته الدائمة في معرفة ما سيأتي بعد ذلك، حتى وإن كان ما سيأتي لا يضيف له شيئًا حقيقيًا.
وعي المستخدم
تزداد خطورة التصفح اللانهائي ومتلازمة Fomo عند الأطفال والمراهقين، لأن مهارات ضبط الوقت والانتباه لا تزال في طور التكوين، ومع المحتوى القصير والسريع، يصبح الانتقال من مقطع إلى آخر عادة ذهنية قد تؤثر في الصبر، والقراءة الطويلة، والتركيز الدراسي، والنوم المنتظم.
ويقول نمر عائش الحربي، إعلامي من المدينة المنورة: “المشكلة ليست في التقنية بحد ذاتها، بل في غياب الثقافة الرقمية التي تساعد المستخدم على فهم كيف تعمل الخوارزميات، وكيف تختار له ما يشاهده وما يتفاعل معه”.
فالمستخدم يظن أحيانًا أنه يطارد المحتوى، بينما قد يكون المحتوى هو الذي يطارده عبر التنبيهات، والترشيحات، والموضوعات الرائجة، والمقاطع المتتابعة، حتى يصبح الهاتف حاضرًا في كل لحظة، والعمل، والمنزل، والطريق، وما قبل النوم.
استعادة السيطرة
لا يعني ذلك أن الحل هو مقاطعة التكنولوجيا، فالتطبيقات أصبحت جزءًا من العمل والتعليم والتواصل اليومي، لكن المطلوب هو استعادة السيطرة على الاستخدام، لا ترك التصميم والخوارزميات ومتلازمة Fomo تقرر نيابة عن المستخدم.
يمكن البدء بخطوات بسيطة: إيقاف التنبيهات غير الضرورية، تحديد وقت يومي للتصفح، حذف التطبيقات الأكثر تشتيتًا من الواجهة الرئيسية، تجنب استخدام الهاتف قبل النوم، وعدم التعامل مع كل تنبيه باعتباره أمرًا عاجلًا، كما أن على المؤسسات الإعلامية والتعليمية والمجتمعية دورًا في نشر الوعي بخطورة التصميمات الرقمية التي تستثمر في الانتباه البشري وتغذي الخوف من فوات الجديد.
في النهاية، التصفح اللانهائي ليس مجرد حركة إصبع، وFomo ليست مجرد مصطلح أجنبي متداول، بل حالة رقمية تجعل المستخدم عالقًا بين فضوله وخوفه من الغياب، وبينما يظن الإنسان أنه يتابع العالم من شاشة صغيرة، قد يجد نفسه وقد فقد جزءًا كبيرًا من يومه وهدوئه وتركيزه، في انتظار شيء جديد لا يأتي أبدًا بصورة نهائية.
آراء القرّاء (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أوّل من يعلّق.
أضف تعليقاً
سيتم مراجعة تعليقك من قِبل الإدارة قبل النشر.