أصبحت التكنولوجيا الحديثة جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية لدى أغلب الناس، خاصة فئة المراهقين، حيث يمثل الإنترنت ثورةً اتصاليةً جذبت شريحةً كبيرةً من الشباب في الوقت الحالي، وظهرت معها قضايا جديدة لم تكن موجودة من قبل. ومع هذا التطور، بدأ المراهق يعيش في عالم افتراضي يأخذ جزءًا كبيرًا من وقته واهتمامه، حتى أصبح حضوره في الواقع أقل مما يبدو عليه.

ولم يعد استخدام الهاتف أو التطبيقات مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل تحوّل إلى عادة يومية يصعب الاستغناء عنها أو التحكم فيها. ومع تزايد هذا الاستخدام، برزت ظاهرة تُعرف بـ”الإدمان الرقمي” أو “الإدمان الإلكتروني”، وهي حالة من التعلق المفرط بالأجهزة والتطبيقات، قد تؤثر على تركيز الفرد ونومه ومستواه الدراسي، وحتى علاقاته الاجتماعية.

وفي حديثنا مع الدكتور أشرف شبل السيد، نائب الطب النفسي في مجمع أطلس الذهبي الطبي العام، أوضح لنا أن “الإدمان الإلكتروني” أو إدمان الألعاب الإلكترونية ينتج عندما يكون الاستخدام زائدًا عن الحاجة، ويشغل الشخص طوال الوقت بلا هدف، ويؤثر على معايير الحياة الشخصية أو الاجتماعية أو المهنية، وحتى الإنسانية، كما يشغل أوقات الفراغ بشكل مبالغ فيه، وله تأثيراته المختلفة على مراحل الحياة.

وعن أكثر الفئات العمرية المعرضة للإدمان الإلكتروني، يشير الدكتور أشرف إلى أنه: “عمومًا، أي شخص قد يتأثر بالإدمان الإلكتروني، وليس هناك مناعة تمنع إدمان هذا الشخص ما دامت الوسيلة متوفرة والمجال متاحًا لها، ولكن الفئة الأكثر عرضة هم الشباب، أو الفترات التي يكون فيها الشخص لديه وقت فراغ وشغف بالتعلّم، وينتج عنها التصفح غير الهادف .

ويضيف السيد أن من العلامات والسلوكيات التي تظهر على الشخص الذي يعاني من الإدمان الإلكتروني: قلة التركيز، والتشتت، وضعف النوم، إضافة إلى الانسحاب والعزلة عن الحياة أو الانعزال الاجتماعي. كما يتسم سلوكه بالتعامل مع الخيال وانعدام التواصل الحقيقي، فلا يكون هناك تواصل مع الأقارب المحيطين به، كالزوج أو الأخت أو الأم أو الابن، فضلًا عن غياب التواصل مع محيط العمل.

وعند البحث عن مسببات هذه الظاهرة، أوضح السيد أن الإدمان الرقمي يرتبط ارتباطًا متبادلًا بالحالة النفسية للفرد؛ فالقلق قد يدفع البعض للهروب من الواقع إلى العالم الافتراضي، مما يزيد من التعلق بالتطبيقات والابتعاد عن المحيط الاجتماعي.

وفي محاولة للهروب من الضغوط النفسية، يؤدي الاستخدام المفرط للتطبيقات إلى العزلة الاجتماعية والتوتر والانشغال الدائم والتفكير الزائد، وهو ما ينعكس سلبًا على الصحة النفسية ويؤثر على التوازن النفسي للفرد.

وأوضح الدكتور أشرف أن الاستخدام المفرط للشاشات يؤثر بشكل مباشر على النوم والتركيز والانتباه والإنتاجية، لارتباط الإدمان الرقمي بقضاء ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، خاصة خلال فترات الليل. ومع مرور الوقت، تتراجع الإنتاجية وتتأثر الدراسة والحياة اليومية نتيجة الإرهاق وقلة النوم.

وأشار السيد إلى أن الإدمان الإلكتروني، وفوضى التشتت، والاستخدام المفرط للتطبيقات والإنترنت، تؤدي إلى تشتت غير طبيعي وفقدان التركيز على جميع مستوياته، وينعكس ذلك على مختلف جوانب الحياة. ومن الآثار المترتبة على ذلك اضطراب التوازن بين الحياة الواقعية والافتراضية، وضعف التفاعل الاجتماعي، وتراجع الأداء الدراسي والمهني.

وعن أبرز الحلول العملية للتخفيف من الإدمان الإلكتروني، أوضح الدكتور أشرف أهمية تنظيم وتحديد ساعات الاستخدام، وألّا تكون ساعات متواصلة، بحيث تكون ساعتين في اليوم بشكل متفرق . كما أشار إلى أن التعامل المستمر مع الإشعارات يسبب التوتر والقلق وزيادة في السعادة المؤقتة، أو ما يُسمى بـ”الدوبامين غير السار”، لذلك يمكن إغلاق الإشعارات وفتحها عند الحاجة إليها. كما أكد أهمية استخدام التطبيقات عند الحاجة ، بما يساعد على استعادة التوازن النفسي والاجتماعي.

عدسة العين في مواجهة الشاشات

لأن خطر الإدمان الرقمي لا يتوقف عند الحالة النفسية والسلوكية فحسب، بل يمتد ليطرق أبواب صحتنا الجسدية، كان لزامًا علينا أن نبحث في الأثر الذي تتركه هذه الشاشات على أعيننا؛ حيث توضح الدكتورة أماني البنا، أخصائية طب وجراحة العيون من جامعة المنصورة، والتي تمتلك خبرة تمتد لـ14 عامًا، وتعمل حاليًا في مستشفى العقالي، أنه عند سؤالها عن حقيقة خطر “المخدرات الرقمية”، أكدت أننا أمام مشكلة كبيرة وشائكة يعاني منها الناس فعليًا، وليست مجرد مبالغة.

وعن الأذى المباشر الذي يلحق بالعين، أوضحت الدكتورة أماني أن التعرض المكثف للشاشات يسبب قائمة من المشكلات، أهمها “جفاف العين”، لأننا ببساطة ننسى أن نرمش بشكل طبيعي أثناء التحديق في المحتوى الرقمي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الإضاءة والإشعاعات الصادرة من الشاشات لها تأثير سلبي كبير، إذ تسبب الحساسية وضعف النظر، خاصة عند استخدام الأجهزة لفترات طويلة دون داعٍ، مما يدخل العين في حالة من ضعف البصر قد يكون علاجها صعبًا.

ومع وصول نسبة انتشار الإنترنت في المملكة إلى 99%، ووجود أكثر من 34 مليون مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد غريبًا ما ذكرته الدكتورة أماني بأن الأطفال هم الضحية الأولى في هذا العصر، وللأسف فهذه مشكلة نعاني منها في الواقع؛ إذ يتعرضون للشاشات لفترات طويلة، يليهم الأشخاص الذين تتطلب طبيعة عملهم الجلوس المستمر أمام الأجهزة.

أما عن أخطر الممارسات، فقد لخصتها الدكتورة في ثلاث نقاط أساسية:

الوقت: الجلوس لفترات طويلة أو متكررة دون راحة، مما يسبب إجهادًا شديدًا للعين.

الإضاءة: استخدام الشاشات في بيئة ذات إضاءة ضعيفة، أو رفع سطوع الشاشة إلى مستوى أعلى من الطبيعي.

المسافة: تقريب الشاشة من العين أكثر من اللازم، وهو ما يسبب تشوشًا في الرؤية وظهور هالات مع مرور الوقت.

وحول “الضوء الأزرق”، أوضحت الدكتورة أماني أنه أصبح جزءًا من حياتنا اليومية، لكن خطورته تكمن في الإجهاد الشديد الذي يسببه للعين، إضافة إلى تأثيره على بعض المواد في الجسم، مما يؤدي إلى اضطراب النظام الطبيعي وتأخير العمليات الحيوية، وهو ما يزيد من الشعور بالتعب العام والإجهاد البصري.

وبالنسبة للحلول الشائعة، مثل النظارات أو الفلاتر، ترى الدكتورة أماني أن تأثيرها “محدود”، فهي عامل مساعد لتقليل الإجهاد وليست وسيلة حماية كاملة. وتؤكد أن الحماية الحقيقية تكمن في الالتزام بقواعد صحية بسيطة، أبرزها :

قاعدة 20-20-20: كل 20 دقيقة من الاستخدام، أرح عينيك لمدة 20 ثانية بالنظر إلى مسافة 20 مترًا.المسافة الآمنة: الحفاظ على مسافة لا تقل عن 50 سم بينك وبين الجوال أو الشاشة.الإضاءة الطبيعية: التأكد من أن إضاءة الغرفة مناسبة وغير متعبة للعين.

وفي ختام حديثها، وجهت الدكتورة أماني رسالة صريحة للشباب؛ فنحن نعيش في زمن التطور التكنولوجي، ولا يمكننا الهروب من الشاشات، لكن يمكننا “تقليل الضرر”. كما نصحت بضرورة استغلال الوقت في أنشطة بعيدة عن العالم الرقمي، مثل ممارسة الرياضة التي تدرب العين على الانتقال بين النظر القريب والبعيد وتحسن كفاءة الرؤية، مع ضرورة مراقبة طريقة استخدامنا للجوال وإضاءته؛ لضمان حماية أعيننا وصحتنا العامة.

وفي ظل هذا التوسع الكبير في استخدام التكنولوجيا، لم يعد الإدمان الرقمي مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح قضية تؤثر على الإنسان نفسيًا وجسديًا واجتماعيًا. فالاستخدام المفرط للشاشات ينعكس على الصحة النفسية وصحة العين والنوم والتركيز، مما يجعل تنظيم الاستخدام والوعي بالعادات الرقمية أمرًا ضروريًا للحفاظ على التوازن وجودة الحياة.