بقلم عهد الجهني

لم يعد تصفح الإنترنت في حياة كثير من السعوديين مجرد عادة عابرة أو وسيلة سريعة لمعرفة الأخبار وإنجاز الخدمات، بل أصبح سلوكاً يومياً متكرراً يرافق الإنسان من لحظة استيقاظه حتى ما قبل نومه، وبين إشعار يصل، ومقطع ينتشر، وخبر عاجل، ورأي مثير للجدل، يجد الفرد نفسه مدفوعاً إلى فضول لا يتوقف، كأن عليه أن يعرف كل شيء في اللحظة ذاتها، وأن يلاحق كل جديد حتى وإن لم يكن مهماً لحياته أو عمله أو وعيه.

هذا الفضول في أصله ليس عيباً، بل هو جزء من طبيعة الإنسان الباحث عن المعرفة، غير أن تحوله إلى سلوك قهري هو ما يستدعي الانتباه، فالفضول القهري لا يدفع صاحبه إلى التعلم العميق، بل إلى التصفح المتواصل، يفتح الشخص هاتفه ليتحقق من رسالة، ثم ينتقل إلى منصة اجتماعية، ثم إلى مقطع قصير، ثم إلى خبر، ثم إلى تعليقات لا تنتهي، ليكتشف بعد وقت طويل أنه لم يكن يبحث عن شيء محدد، بل كان يهرب من فراغ أو قلق أو ملل.

في المجتمع السعودي، تبدو هذه الظاهرة مفهومة في ظل التحول الرقمي الكبير الذي تعيشه المملكة، فالهاتف لم يعد وسيلة اتصال فقط، بل أصبح بوابة للعمل والتعليم والخدمات البنكية والحكومية والترفيه والتسوق والعلاقات الاجتماعية، المواطن اليوم يستطيع أن ينجز معظم احتياجاته عبر الشاشة، وهذا إنجاز وطني مهم، لكنه في الوقت نفسه جعل العلاقة مع الهاتف أكثر التصاقاً وتعقيداً.

المشكلة لا تكمن في الإنترنت ذاته، بل في طريقة الاستخدام، فحين يتحول التصفح إلى عادة لا واعية، تبدأ آثاره في الظهور على التركيز والنوم والإنتاجية والصحة النفسية، كثيرون يشتكون من قلة الوقت، بينما يضيع جزء كبير من يومهم في متابعة محتوى سريع لا يترك أثراً حقيقياً، وكثيرون يشعرون بأنهم أكثر معرفة لأنهم يطالعون عشرات الأخبار والمقاطع، بينما الحقيقة أن المعرفة السريعة قد تمنح وهماً بالاطلاع أكثر مما تمنح فهماً حقيقياً.

ولعل أخطر ما يصنعه إدمان المعلومات أنه يجعل الإنسان في حالة ترقب دائم، يشعر بأنه إن ابتعد قليلاً عن هاتفه فسيفوته خبر مهم أو نقاش ساخن أو فرصة اجتماعية، هذه الحالة التي يسميها المختصون أحياناً الخوف من فوات الشيء، تجعل الفرد أسيراً لدائرة لا تنتهي من التحديث والمتابعة، وهنا لا يصبح الإنترنت نافذة على العالم، بل يتحول إلى غرفة مزدحمة تستهلك انتباه الإنسان وهدوءه.

حيث كشفت دراسة أجرتها جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل على طلاب الجامعات أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية ارتبط بارتفاع مستويات القلق وتشتت الانتباه، حيث أظهرت النتائج أن أكثر من ٤٤٪؜ ، من المشاركين يعانون أعراض قلق مرتبطة بالاستخدام الرقمي المكثف، كما أظهرت دراسة منشورة في جامعة الملك سعود أن نحو ٣٨٪؜ من الطلاب يعانون من ضعف التركيز والتشتت الذهني نتيجة الاستخدام الطويل لوسائل التواصل الاجتماعي، خاصة خلال ساعات الليل.

برأيي الشخصي، لسنا بحاجة إلى معركة ضد الإنترنت، بل إلى مصالحة واعية معه، لا يمكن لمجتمع طموح مثل المجتمع السعودي، يمضي بثقة في طريق التحول الرقمي، أن يتعامل مع التقنية باعتبارها خصماً، لكن من الضروري أن نتعلم كيف نستخدمها دون أن تستخدمنا، نحتاج إلى ثقافة يومية بسيطة تعيد للإنسان حقه في التركيز؛ أن نغلق الإشعارات غير الضرورية، أن نحدد وقتاً للتصفح، أن نترك الهاتف بعيداً أثناء الجلوس مع الأسرة، وأن نمنح العقل فرصة للصمت بعيداً عن الضجيج الرقمي.

ويبقى الفضول قيمة جميلة حين يقود إلى المعرفة، لكنه يتحول إلى عبء حين يصبح قهرياً ومفتوحاً بلا نهاية، والسعوديون، وهم يعيشون واحدة من أكثر المراحل الرقمية تقدماً في تاريخهم، يحتاجون اليوم إلى وعي يوازي سرعة الاتصال، فالمسألة ليست في أن نكون متصلين دائماً، بل في أن نعرف متى نتصل، ومتى ننفصل، وماذا نأخذ من هذا العالم الواسع، وماذا نتركه يمر بهدوء.