بقلم: جنا العوفي
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية لكثير من السعوديين، تبدأ مع أول نظرة إلى الهاتف في الصباح، وتستمر بين العمل والدراسة والمناسبات، حتى يعيش الفرد اتصالاً دائماً مع العالم الواسع، لكنه قد يبتعد دون أن يشعر عن أقرب الناس إليه.
في ظاهر الأمر، تبدو هذه الوسائل مساحة للتقارب، فهي تختصر المسافات، وتعيد وصل الأقارب، وتمنح الأصدقاء فرصة للاطمئنان السريع، غير أن الإفراط في استخدامها جعل بعض العلاقات تتحول من لقاء حي إلى متابعة صامتة، ومن سؤال مباشر إلى إعجاب سريع، ومن زيارة دافئة إلى رسالة قصيرة لا تحمل دائماً معنى القرب الحقيقي.
في المجتمع السعودي، تبدو هذه القضية مرتبطة بطبيعة الحياة الاجتماعية، فالأسرة والمجلس والزيارة وصلة الرحم جزء من الهوية اليومية التي نشأ عليها الناس، وحين يجلس أفراد العائلة في مكان واحد بينما ينشغل كل واحد منهم بشاشته، يصبح الاجتماع حاضراً في الشكل وغائباً في المعنى، وتبدأ العلاقة الإنسانية في فقدان شيء من دفئها الطبيعي.
المشكلة لا تكمن في وسائل التواصل نفسها، فهي أداة نافعة حين تستخدم بوعي، لكنها تبدأ حين تتحول من وسيلة للتواصل إلى بديل عن التواصل، فبدل أن يسأل الشخص عن قريبه، يكتفي بمتابعة أخباره، وبدل أن يعيش اللحظة مع أسرته، ينشغل بتصويرها ونشرها وانتظار التفاعل معها، ويزداد هذا الأثر حين يصبح الهاتف حاضراً في أوقات الطعام والزيارات والراحة، فيضعف الحوار اليومي بين أفراد الأسرة الواحدة تدريجياً بوضوح.
وتكشف الأرقام حجم الحضور الرقمي في المملكة، إذ أوضحت هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية في تقرير الإنترنت السعودي 2024 أن نسبة انتشار الإنترنت بلغت نحو 99%، وأن الهاتف المتنقل هو الجهاز الأكثر استخداماً للدخول إلى الشبكة بنسبة 99,4%، كما أشار تقرير الحالة الرقمية في السعودية لعام 2025، الصادر عن منصة داتا ريبورتال، إلى وجود 33,9 مليون مستخدم للإنترنت، و34,1 مليون هوية مستخدم نشطة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أرقام تؤكد أن المجتمع يعيش اتصالاً واسعاً يحتاج إلى وعي يوازن بين القرب الافتراضي والحضور الواقعي.
برأيي الشخصي، لسنا بحاجة إلى معركة ضد وسائل التواصل الاجتماعي، فهي جزء من واقعنا الحديث، لكننا بحاجة إلى إعادة ترتيب مكانها في حياتنا، أن تكون وسيلة تقرّب ولا تباعد، وتخدم العلاقات ولا تستبدلها، وأن نعيد للمكالمة قيمتها، وللزيارة معناها، وللسؤال الصادق أثره.
ويبقى الترابط الاجتماعي قيمة لا تقاس بعدد المتابعين ولا بكثرة الرسائل، بل بصدق الحضور وجودة الاهتمام، والمجتمع السعودي بما يحمله من إرث عائلي واجتماعي عميق قادر على أن يستفيد من التقنية دون أن يفقد دفء العلاقات، متى ما أدرك أن الشاشة قد تقرّب البعيد، لكنها لا ينبغي أن تبعد القريب.
آراء القرّاء (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أوّل من يعلّق.
أضف تعليقاً
سيتم مراجعة تعليقك من قِبل الإدارة قبل النشر.